صديق الحسيني القنوجي البخاري
231
فتح البيان في مقاصد القرآن
لغة العرب ، قرأ العامة غدقا بفتحتين وقرىء بفتح الغين وكسر الدال ، وهما لغتان في الماء الغزير ، ومنه الغيداق للماء الكثير وللرجل الكثير العدو ، والكثير النطق ويقال غدقت عينه تغدق أي هطل دمعها ، وفي المصباع غدقت العين غدقا من باب تعب كثر ماؤها فهي غدقة وأغدقت إغداقا كذلك . لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي لنختبرهم فنعلم كيف شكرهم على تلك النعم علم ظهور للخلائق وإلا فهو تعالى لا يخفى عليه شيء ، وقال الكلبي المعنى وأن لو استقاموا على الطريقة التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفارا لأوسعنا أرزاقهم مكرا بهم واستدراجا حتى يفتنوا بها فنعذبهم في الدنيا والآخرة ، وبه قال الربيع بن أنس وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن والثمالي ويمان بن ريان وابن كيسان وأبو مجلز ، واستدلوا بقوله : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 44 ] وقوله : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ [ الزخرف : 33 ] الآية والأول أولى ، وقال عمر : في الآية حيثما كان الماء كان المال وحيثما كان المال كانت الفتنة ، وقال ابن عباس : لنبتليهم به . وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ أي ومن يعرض عن القرآن أو عن العبادة أو عن الموعظة أو عن التوحيد أو عن جميع ذلك يَسْلُكْهُ أي يدخله عَذاباً صَعَداً أي شاقا ، قرأ الجمهور نسلكه بالنون مفتوحة من سلكه ، وقرىء بالياء التحتية ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله : ( عن ذكر ربه ) ولم يقل عن ذكرنا ، وقرىء بضم النون وكسر اللام من أسلكه ، والصعد في اللغة المشقة تقول تصعد بي الأمر إذا شق عليك ، وهو مصدر صعد يقال صعد صعدا وصعودا فوصف به العذاب مبالغة لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغمره ويغلبه فلا يطيقه . قال أبو عبيدة : الصعد مصدر أي عذابا ذا صعد ، وقال عكرمة : الصعد هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم كما في قوله سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [ المدثر : 17 ] والصعود العقبة الكؤود ، وقال ابن عباس : عذابا صعدا شقة من العذاب يصعد فيها ، وعنه قال جبلا في جهنم ، وعنه قال لا راحة فيه . وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ أي وأوحي إليّ أن المساجد مختصة باللّه ، وقال الخليل التقدير ولأن المساجد ، والمساجد المواضع التي بنيت للصلاة فيها ، جمع مسجد بكسر الجيم وهو موضع السجود ، قال سعيد بن جبير : قالت الجن كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون فنزلت ، وقال الحسن أراد بها كل البقاع لأن الأرض جعلت كلها مسجدا للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وقال سعيد بن المسيب وطلق بن حبيب